تعد هذه الآية (وَمَن لَّمۡ يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الكافرون) من أكثر ما استشهدَت به الجماعات المتطرّفة من آيات القرآن الكريم على مرّ التّاريخ، فما من خطاب متطرف إلا واستند إلى هذه الآية مسوّغاً أفعاله وأفكاره المعادية للمجتمع، والشّاذّة عن أمّهات القيَم الإنسانيّة كالتعارف والمحبّة والسلام.
وعندما ننظرُ في تفسير هذه الآية في المدوّنة التّراثيّة، لا نكاد نراها تخرج عن أربعة اتّجاهاتٍ رئيسة: الأول: الأخذ بظاهر ألفاظ الآية، فقد ذهب بعض المفسّرينَ إلى أن معنى الآية: من لم يطبق الأحكام الشرعيّة التي أنزلها الله تعالى في كتابه، أو وردت في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملّة، ومن ثمّةَ قالوا بهدر دمِه إنْ كانَ فرداً، باعتباره مرتدّاً، وإنْ كان حاكماً نادوْا بوجوب محاربته والخروج عليه، ولنا في الإخوان المسلمين وأضرابهم أمثلة واقعية لهذا الفهم المتطرف. الثاني: كان أقل تطرفاً وحدّة من سابقه، وهو اتّجاه جعل المراد بالآية كفراً دون كفر، أي أنه بمنزلة الكبيرة التي لا تخرج مرتكبها عن الملة، وهو قول جمهورِ مذاهب أهل السّنّة. الثالث: الاتّجاه الذي يمكن عدّه أكثرَ عقلانيّةً وموضوعيّةً وواقعيّةً، وخلاصته أن الله تعالى لم يخاطب المسلمين في هذه الآية، بل عنَى بها اليهود الذينَ كانوا في زمن التّنزيلِ، وسياق الآية يشهد بذلكَ، إذ إنّها وردت إخباراً عن الأمم السابقة. الرابع: اتّجاه من يرون أنّ مرادَ الله بالآية أنْ يبين لنبيه وجوب احتكامِ أهل كل شريعة إلى شريعتهم، فلذلك كان الخطاب في الآيتين 44 و45 من سورة المائدة لليهود، أما 47 فكانت للنصارى، ثم تلتها آيات موجهة إلى المسلمين.
هذه الآراء المتباينة تكشف لنا عظمة النص القرآني، إذ هو مفتوح على العديد من المستويات في الفهم، شريطة أن لا تخرج عن السياق القرآني الجامع لفهم آياته. وعلى الرغم من معقولية بعض الآراء المذكورة، إلا أنه ينقدح في ذهني سؤال مهم: لماذا أطال الله تعالى ذكر قصص السابقين؟ ألم يكن المراد من ذلك أن تكون لنا فيهم عبرة؟ أليست العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ إذن، فجميعنا مأمور باتباع وتطبيق ما أنزل الله، ولكن دعونا نتأمل معا قوله تعالى (وَمَن لَّمۡ يَحكُم بِمَآ أَنزَلَ الله) مستفيدين من الفهوم السابقة، وانطلاقاً من الفهم المتكامل لآيات القرآن ومقاصده، هل المقصود أن نلتزم بظواهر تلك النصوص تماما؟ أم أن المقصود أن نطبق مقاصد تلك النصوص وقيمها العليا الصالحة لكل زمان ومكان؟
إن تأملنا أنواع النصوص القرآنية التي خاطبنا الله تعالى بها لأجل الطّاعة والامتثال، نجدها على نوعين: الأول: نصوص عقديّة وعبادية محضة، كتلك التي ترشدنا إلى وجوب الإيمان بالله وملائكته، ووجوب تطبيق أحكام الصلاة والزكاة، وهذا النوع من النصوص لا يملك المسلم الحق في تغيير صفاتها وأشكالها، لكونها بين العبد وربه، ولمناسبتها لكل زمان ومكان يقينا. الثاني: نصوص تشريعية اجتماعية وقيمية، جاءت منظومةً متكاملةً تخدم المقاصد العليا في الدين الإسلامي: كالعدل والرحمة، وتحقيق الأمن، وغيرها من الحقوق والقيم. فجميع هذه النصوص تتعلق بعلاقة البشر بعضهم ببعض، ولذلك لم يكن الواجب تطبيقَ ظواهر تلك الأحكام لِذاتها، بل لما تؤول إليه من تفعيلِ القيم واحترامها، والتّعاون على تحكيمها والعمل بها.
ولنا في عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أسوة حسنة في هذا الفهم، إذ أوقف عقوبةَ السرقة عام الرّمادة، وعدّلَ بعضَ أحكام الطلاق المعمول بها زمن النبوة؛ لأنه يعلم أن الهدف من تلك التشريعات يتعدى ظواهرها إلى مقاصدها التي جاءت من أجلها، وإنّما المقاصدُ تفعيلُ القيم وإعمالُها في مستوى التّشريعِ. وهذا ما تذهب إلى تطبيقه عموم الدول الوطنية في دساتيرها كدولة الإمارات، فتوافق تلك المنظومة المقاصدية والقيمية التي جاء القرآن لتحقيقها للمجتمع، ومن جملتها الأمن والأمان والاستقرار والازدهار.
*مساعد نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية لقطاع الشؤون الأكاديمية.


